يبدأ كثيرون الميزانية بحماس في أول الشهر، ثم يتركونها في منتصفه لأنها شعرت كأنها عبء أو قيد. المشكلة غالبًا ليست في الشخص، بل في أن الطريقة المختارة لا تناسب طبعه ونمط حياته.
هناك طرق متعددة لإدارة الدخل، ولكل منها منطقها. بعضها يناسب من يحب التفاصيل، وبعضها يناسب من يكره الأرقام. اختر الطريقة التي تستطيع الاستمرار عليها، لا الطريقة التي تبدو الأكثر انضباطًا على الورق.
الطريقة الأولى: ادفع لنفسك أولًا
هذه أبسط الطرق وأكثرها مناسبة لمن لا يحب تتبع كل مصروف. الفكرة أنك في يوم الراتب تحوّل مبلغًا محددًا إلى الادخار والاحتياطي فورًا، ثم تدفع الالتزامات الثابتة، وما يتبقى تنفقه بحرية دون حساب دقيق.
نقطة قوتها أنها تضمن الادخار قبل أي شيء، لأن ما يُحوَّل لا يعود متاحًا للإنفاق. ونقطة ضعفها أنها لا تكشف لك أين يذهب المتبقي، فإن كان الإنفاق الحر كبيرًا قد لا تنتبه إلى التسريبات.
الطريقة الثانية: الظروف
كان الأجداد يضعون نقود كل غرض في ظرف أو كيس منفصل: هذا للطعام، وهذا للإيجار، وهذا للضيافة. واليوم يمكن تطبيق الفكرة نفسها بحسابات فرعية أو محافظ رقمية تخصص لكل بند مبلغه في بداية الشهر.
حين ينفد ظرف بند معين، تتوقف عن الإنفاق عليه حتى الشهر التالي، أو تنقل من ظرف آخر بقرار واعٍ. هذه الطريقة ممتازة لمن يجد صعوبة في ضبط فئة معينة كالمطاعم أو التسوق، لأنها تضع حدًا ملموسًا يصعب تجاوزه دون أن تلاحظ.
الطريقة الثالثة: الميزانية الصفرية
في هذه الطريقة تمنح كل ريال من دخلك وظيفة قبل أن يبدأ الشهر، حتى يصبح الدخل ناقص التوزيعات مساويًا للصفر. الادخار وظيفة، والاحتياطي وظيفة، وسداد الالتزامات وظيفة، والترفيه وظيفة كذلك.
هي أكثر الطرق تفصيلًا وتحتاج جلسة تخطيط في بداية كل شهر، لكنها تمنحك سيطرة كاملة ووعيًا دقيقًا بأين يذهب مالك. تناسب من يمر بفترة مالية حساسة، كمن يسدد التزامات متراكمة أو يجمع لهدف محدد في وقت قصير.
ولا تعني الميزانية الصفرية أن تنفق كل شيء، بل أن تقرر مصير كل شيء. فإن قررت أن مبلغًا ما سيبقى في الحساب دون صرف، فهذه أيضًا وظيفة له.
الطريقة الرابعة: الأولويات المتدرجة
تقوم هذه الطريقة على ترتيب المصاريف في طبقات: الطبقة الأولى الضروريات التي لا تُمس، كالسكن والطعام والالتزامات. الثانية الأهداف كالادخار والاحتياطي. الثالثة الكماليات. ولا تنتقل إلى طبقة حتى تكتمل التي قبلها.
ميزتها المرونة: في الشهر الجيد تصل إلى الكماليات براحة، وفي الشهر الصعب تتوقف عند الطبقة الأولى أو الثانية دون شعور بالفوضى. وتناسب أصحاب الدخل المتغير خصوصًا، لأنها تتكيف مع الدخل بدل أن تفترض رقمًا ثابتًا.
والتحدي فيها أن تكون صادقًا في تصنيف كل مصروف. الاشتراك في منصة ترفيه ليس ضرورة مهما اعتدت عليه، وتغيير الجوال كل عام ليس هدفًا ماليًا. الدقة في التصنيف هي ما يجعل الطريقة تعمل.
أدوات تساعدك على التطبيق
لا تحتاج برنامجًا مدفوعًا لتبدأ. دفتر صغير أو جدول بسيط على الجوال يكفي لمعظم الناس، والأهم أن تسجل في وقت ثابت كل يوم أو كل أسبوع. كثير من تطبيقات البنوك تصنف المصاريف تلقائيًا، وهذا يوفر عليك جهد التسجيل اليدوي.
ويساعدك أيضًا أن تفتح أكثر من حساب أو محفظة لتطبيق الطريقة التي تختارها عمليًا. الفصل المادي بين المبالغ أقوى من أي قرار تتخذه في ذهنك، لأن المال الذي تراه في مكان واحد يبدو كله متاحًا للإنفاق.
كيف تختار وتستمر
جرّب طريقة واحدة لثلاثة أشهر كاملة قبل الحكم عليها، فالشهر الأول دائمًا مربك. وإن لم تناسبك، فلا تعتبر ذلك فشلًا، بل جرّب طريقة أخرى أو امزج بين طريقتين، كأن تدفع لنفسك أولًا ثم تستخدم الظروف لبند واحد يرهقك.
وإذا وجدت أن أي طريقة تجربها تصطدم بحقيقة واحدة، وهي أن الالتزامات الثابتة أكبر من أن تترك مساحة لأي شيء، فالمشكلة ليست في الطريقة. حينها قد يفيدك أن تراجع مع مستشار في سيولة الإعمار هيكل التزاماتك نفسه.


